الفنان جمال عبد الرحيم واحداً من أبرز القامات الفنية في مملكة البحرين والعالم العربي، وهو فنان استطاع أن يحفر اسمه بجدارة في سجل الفن التشكيلي المعاصر بفضل لغته البصرية الفريدة وتعدد أدواته الإبداعية.
إليك مقال يسلط الضوء على مسيرته وفلسفته الفنية:
جمال عبد الرحيم: صانع الجمال بين ملمس الحجر وروح الورق
ولد جمال عبد الرحيم في المحرق عام 1955، ونشأ في بيئة بحرينية غنية بالتفاصيل التراثية والجمالية. لم يكتفِ جمال بإتقان فن واحد، بل تنقل ببراعة مذهلة بين النحت، والرسم، والطباعة اليدوية (الجرافيك)، مما جعله فناناً شموليّاً يطوع الخامات الصلبة والرقيقة لخدمة رؤيته الإنسانية.
فلسفة التجريب والبحث عن الهوية
يتميز أسلوب جمال عبد الرحيم بـ الجرأة في التجريب. فهو لا يخشى مواجهة السطح الأبيض أو كتلة الرخام الصماء؛ بل يدخل في حوار مع المادة. في أعماله، نجد دمجاً ساحراً بين الحداثة والأصالة، حيث يستلهم من الخط العربي تارة، ومن الأساطير والحضارات القديمة تارة أخرى، ليخلق عملاً فنياً يتجاوز الحدود الجغرافية.
الطباعة اليدوية وكتاب الفنان
يعتبر عبد الرحيم رائد "كتاب الفنان" في المنطقة. لقد حول الكتاب من وعاء للمعلومات إلى تحفة فنية بصرية، حيث يدمج النصوص الأدبية والشعرية (لكبار الشعراء مثل محمود درويش وأدونيس) مع لوحاته المطبوعة يدوياً. استخدامه لتقنيات الحفر والطباعة يعكس دقة متناهية وصبرًا طويلاً، مما جعل كتبه تقتنى في كبرى المتاحف العالمية مثل "المتحف البريطاني".
النحت: تجسيد الفراغ والكتلة
في النحت، يميل جمال إلى استخدام الرخام والحجر، حيث يحول القسوة إلى ليونة انسيابية. تمتاز منحوتاته بالبساطة التي تخفي خلفها تعقيداً فلسفياً، مركزاً على مفهوم "الجسد" و"الفراغ"، ومحاولاً اقتناص اللحظات الإنسانية الهاربة وتجميدها في شكل هندسي أو عضوي يسر الناظرين.
إنجازات وجوائز عالمية
لم تكن مسيرة جمال عبد الرحيم محلية فحسب، بل حقق انتشاراً دولياً واسعاً من خلال:
المشاركة في أكثر من 80 معرضاً جماعياً وتقديم عشرات المعارض الشخصية حول العالم.
حصوله على جوائز مرموقة، منها جوائز في بينالي الشارقة، وبينالي القاهرة الدولي.
تأسيسه لمرسمه الخاص "ستوديو جمال عبد الرحيم" الذي أصبح مزاراً ثقافياً ومركزاً لإنتاج الفن الراقي في البحرين.
وفي الختام
إن تجربة جمال عبد الرحيم هي رحلة مستمرة من البحث عن "الجمال المطلق". هو فنان لم يتوقف يوماً عن التعلم والتطور، فظل محتفظاً بروح الشاب المغامر الذي يرى في كل صخرة تمثالاً ينتظر التحرر، وفي كل ورقة حكاية لم تروَ بعد.