يعتبر الفنان السعودي الراحل فهد بن سعيد (1941 - 2003) ظاهرة فنية واجتماعية استثنائية في تاريخ الأغنية الشعبية السعودية. لُقب بـ "وحيد الجزيرة"، ولم يكن مجرد مطرب، بل كان حالة وجدانية عبّرت عن شجن ومشاعر جيل كامل، تاركاً خلفه إرثاً موسيقياً لا يزال حياً في ذاكرة المحبين.
فهد بن سعيد: "وحيد الجزيرة" الذي غنى بدموع الأوتار
في زمن كانت فيه الأغنية الشعبية هي المتنفس الأول للناس، ظهر صوت قادم من عمق نجد، وتحديداً من منطقة القصيم، ليغير خارطة الغناء الشعبي. فهد بن سعيد، الفنان الذي لم يكن يعزف على العود فحسب، بل كان يئنُّ معه، استطاع أن يمزج بين قوة الأداء وصدق العاطفة.
البدايات والسطوع
بدأ فهد بن سعيد مسيرته في الستينات الميلادية، وسرعان ما انتشرت أسطواناته في كل بيت ومنزل. تميز بقدرة فائقة على العزف بأسلوب "التقاسيم" الحزينة، وكان لآلة العود في يده لغة خاصة، حيث اشتهر بأسلوب العزف المنفرد الذي يشد الأسماع قبل أن يبدأ بالغناء.
مدرسته الفنية ومميزاتها
لم يتبع فهد بن سعيد نمطاً تقليدياً مكرراً، بل خلق مدرسة عُرفت بـ "المدرسة السعيدية"، ومن أهم سماتها:
اللون الحزين: ارتبط صوته بالشجن العميق، حتى قيل إن أغانيه تلامس الجروح المنسية.
اختيار النصوص: تعامل مع كبار الشعراء الشعبيين، وكان يختار كلمات تحاكي الواقع، الفراق، واللوعة.
الابتكار في الألحان: قدم ألحاناً تمزج بين الفلكلور النجدي وبين تجديدات موسيقية جعلت من الأغنية الشعبية مادة دسمة للاستماع والتحليل.
"خلاص من حبكم" والنجاح الكاسح
تعد أغنية "خلاص من حبكم عزلنا" أيقونة الفن الشعبي السعودي، وهي الأغنية التي تجاوزت حدود المملكة لتنتشر في الخليج والوطن العربي. هذه الأغنية كانت بمثابة "الوثيقة" التي أعلنت تربعه على عرش الفن الشعبي بلا منازع.
التحول الكبير والاعتزال
في ذروة نجاحه وشهرته، اتخذ فهد بن سعيد قراراً فاجأ فيه الوسط الفني والجمهور، وهو اعتزال الفن نهائياً في منتصف الثمانينات. توجه فهد نحو الزهد والتدين، وغاب عن الأضواء لسنوات طويلة، مبتعداً عن عالم الأضواء والموسيقى، مما زاد من هالة الغموض والمحبة حول شخصيته.
رحيله وإرثه الخالد
انتقل فهد بن سعيد إلى جوار ربه في عام 2003، لكن "وحيد الجزيرة" لم يرحل فعلياً. فما زالت أغانيه تُسمع، وما زال الفنانون الشباب يعيدون غناء ألحانه، اعترافاً بعبقريته الفنية التي سبقت زمانها.
لم يكن فهد بن سعيد مجرد مغنٍ، بل كان مرآة لزمن البساطة، وصوتاً للقلوب المتعبة، ومجدداً حقيقياً في الموسيقى الشعبية السعودية.