تُعد أغنية "كانت معي" للفنان الراحل عبد الكريم عبد القادر، الملقب بـ "صوت الجريح"، واحدة من الأيقونات الخالدة في سجل الأغنية الخليجية. هي ليست مجرد كلمات وألحان، بل هي حالة شعورية جسّدت قمة التعاون الفني بين "الثلاثي الذهبي": الشاعر عبد اللطيف البناي، والملحن أنور عبد الله، والصوت الشجي عبد الكريم عبد القادر.
إليك قصة هذه الأغنية التي حفرت مكانها في ذاكرة الوجدان العربي:
1. ولادة النص: صدفة أثمرت إبداعاً
بدأت الحكاية عندما كتب الشاعر عبد اللطيف البناي كلمات تعبر عن لوعة الفقد والحنين بأسلوب "السهل الممتنع". النص يتحدث عن غياب شخص كان يملأ الحياة حضوراً، ثم فجأة لم يتبقَّ منه سوى الذكريات وصور الماضي.
تقول الكلمات في مطلعها:
كانت معي.. وأحلى معي كانت راحت معي.. وأغلى معي راحت
2. الملحن أنور عبد الله.. واللحن "المكبله"
عندما وصلت الكلمات إلى الملحن القدير أنور عبد الله، أدرك أنها تحتاج إلى لحن يجمع بين الكلاسيكية والحداثة. اعتمد أنور عبد الله في تلحينها على نظام "المذهب والكوبليهات" المتنوعة، حيث ينتقل المستمع من جو نفسي إلى آخر، معتمداً على آلة "القانون" و"الكمان" لإضفاء مسحة من الشجن تتماشى مع بحة عبد الكريم عبد القادر.
3. كواليس التسجيل: دموع خلف المايكروفون
يُذكر عن الفنان عبد الكريم عبد القادر أنه كان يغني بإحساسه قبل صوته. في كواليس تسجيل "كانت معي"، قيل إن الأجواء في الاستوديو كانت مشحونة بالعاطفة لدرجة أن الفنان توقف أكثر من مرة ليتنفس بعمق، فقد كان يعيش كل كلمة وكأنها قصة واقعية يرويها للجمهور.
4. سر النجاح: لماذا نرددها حتى اليوم؟
هناك عدة أسباب جعلت هذه الأغنية تعيش لعقود:
الصدق العاطفي: الأغنية لا تتصنع الحزن، بل تنساب برقة تلامس القلوب المنكسرة.
التوزيع الموسيقي: كان التوزيع سابقاً لعصره، حيث حافظ على الهوية الخليجية مع لمسة "أوركسترالية" راقية.
صوت الجريح: قدرة عبد الكريم عبد القادر على "تلوين" صوته بين العتاب، الألم، والقبول بالقدر.
الأثر الفني
ظلت "كانت معي" تتردد في الجلسات الخاصة والحفلات الكبرى، وأصبحت نموذجاً يُدرس في كيفية صياغة "أغنية الفراق" دون السقوط في فخ النواح، بل بتقديم رثاء راقٍ لقصة حب انتهت وبقي أثرها.
رحل عبد الكريم عبد القادر، ولكن بقيت "كانت معي" ومعها مئات الروائع، لتؤكد أن الفن الحقيقي لا يموت بموت صاحبه.