رمتني و قالت رماني التهامي
وأمست بريئة وأمسيت جاني
وصالت وجالت تذيع اتهامي
وإني جريح الفؤاد أعاني
وللناس قول أمات احترامي
وللبعض جرأة ببوح أتاني
وكثر الطراق يفك أللحامي
وكيف سأرضى أكون مهاني
يقيني بربي كفاني المحامي
تجلت همومي بظرف ثواني
فواجهت قومي وبعد سلامي
أذعت بأني محب مداني
فهل لا سعيتم لحسن ختامي
لأهنا وتهنا بكل ألحناني
وبعد التلاقي سلوها الكلامي
وإني لأرضي بحكم الحساني
تجلت وقالت أيا ذا ألإمامي
أنا من تجنت أطعت الأماني
ولكن ليبقى وحيد المنامي
ومنه اعتذاري فإني لثاني
مروءة مثله إبن الهمامي
ستبقيه ذكرى لقاص وداني
فقلت عفونا لنبقى الكرامي
ولكن سيبقى الزمان زماني
وأبقى متيم أسير الغرامي
وتبقين أنت بدون عناني
ولي في الفراسة أحلى مقامي
ولي في الميادين رمز و شأني
فعذرا لمن قد أطال اللجام
فإني تعبت وجف لساني
نفسي وتبلى عظامي
وتبقين حلما ولو كنت فاني
فقالت أنا قد سحبت اتهامي
فأنت البريء ولست مداني
الشاعر د. مكي الشامي
بين يدينا نص شعري شامخ، يفيض مروءة وعزة، صاغه الدكتور الشاعر مكي الشامي ببراعة الحكيم ورقة المحب
قراءة في رائعة "عزة المحب" للدكتور مكي الشامي
هذه القصيدة ليست مجرد أبيات في الحب، بل هي ملحمة قصيرة تتجسد فيها أخلاق الفرسان. لقد استطاع الشاعر أن يدير صراعا دراميا بين "الاتهام والبرأة"، وبين "الانكسار والشموخ"، لينتصر في النهاية لنبل النفس ومكارم الأخلاق.
لغة الشموخ والفروسية
يبدأ الدكتور مكي قصيدته بموقف صادم (رمتني وقالت رماني)، وهو استحضار للمثل الشهير "رمتني بدائها وانسلت"، لكنه يقلب الموازين بصبره ويقينه بربه. الشاعر هنا لا يدافع عن نفسه بالضجيج، بل بالثبات واليقين، حتى ينجلي الحق وتعتذر هي عن "تجنيها".
وقفات جمالية في النص:
عزة النفس رغم الحب: يظهر الشاعر في موقف القوي العافي (فعفونا لنبقى الكرامي)، فهو لا يقبل الهوان (وكيف سأرضى أكون مهاني)، مما يعطي للحب قيمة رفيعة ترتبط بالكرامة.
البراعة في التصوير: وصفه للفراسة والميادين يعيدنا إلى أجواء الشعر العربي الأصيل، حيث يكون الشاعر فارسا في ميدان الحرب وفارسا في ميدان الحرف.
الوفاء الأبدي: قوله "وتبقين حلما ولو كنت فاني" هو قمة الوفاء، فبرغم العتب والاتهام، يظل الود محفوظا والعهد باقيا حتى بعد فناء الجسد.
كلمة في حق الشاعر
د. مكي الشامي في هذا النص لبس رداء الحكيم؛ فهو لم ينتصر لنفسه بالانتقام، بل بالترفع. قصيدة تدرس في فن إدارة المشاعر وعزة النفس عند المقدرة، صاغها بلغة منسابة، وقافية رنانة تطرب لها الآذان وتستريح لها النفوس.
صح لسان الدكتور مكي على هذا الإبداع، وهنيئا لك هذا الذوق الرفيع في اختيار النصوص
بقلم . مصطفى عبدالعزبز. باحث في شؤون الكلمة ـ دولة الكويت - زاوية كلمة تحت المجهر
