الراحل الفنان الكبير طلال مداح ظاهرة فنية لم تتكرر، فهو ليس مجرد مغنٍّ مر في تاريخ الأغنية السعودية، بل هو "صوت الأرض" و**"قيثارة الشرق"** الذي وضع اللبنات الأولى للأغنية السعودية الحديثة وخرج بها إلى آفاق العالم العربي.
البدايات: فجر الأغنية السعودية
ولد طلال مداح في مكة المكرمة، وتربى في بيئة فنية كانت تعج بالموشحات والدانات الحجازية. بدأت رحلته الفعلية في أواخر الخمسينيات، وكانت أغنية "وردك يا زارع الورد" هي الانعطافة التاريخية؛ حيث كانت أول أغنية سعودية يتم تسجيلها بأسلوب "الكوبليهات" المتعددة الألحان، مما أحدث ثورة في القالب الغنائي التقليدي آنذاك.
المجد الفني: حنجرة ذهبية وأصابع مبدعة
لم يكن طلال مجرد مؤدٍ، بل كان عازف عود من الطراز الرفيع، وملحناً صاغ ألحاناً لكبار النجوم. تميز صوته بطبقات تجمع بين القوة والرخامة وبين الحزن الشفيف، مما جعله قادراً على أداء أصعب المقامات الموسيقية بسلاسة مذهلة.
محطات رسمت تاريخه:
تطوير التراث: نجح طلال في تحديث المجرور والخبيتي والدانة دون المساس بأصالتها.
الانتشار العربي: تعاون مع كبار الملحنين العرب مثل محمد عبد الوهاب في "ماذا أقول"، وبليغ حمدي، مما أكسب الأغنية السعودية اعترافاً عربياً واسعاً.
الأداء المسرحي: كان طلال يمتلك كاريزما خاصة على المسرح، حيث يذوب في الغناء لدرجة تجعل المستمع يشعر وكأن الأغنية تولد في تلك اللحظة.
روائع خالدة
ترك طلال مداح مكتبة موسيقية ضخمة تضم أكثر من ألف أغنية، ومن أبرزها:
مقادير: الأغنية التي تجاوزت حدود الجغرافيا وأصبحت "أيقونة" يغنيها الصغير والكبير في كل الوطن العربي.
صعب السؤال: التي تجلى فيها إبداعه اللحني وصوته المليء بالشجن.
زمان الصمت: رائعة بدر بن عبد المحسن التي صاغ طلال لحنها بعبقرية هادئة.
ليلة تمرين: التي أظهرت قدراته الفائقة في الأداء الطربي الطويل.
"صوت الأرض": لماذا لقب بهذا الاسم؟
لم يطلق عليه لقب "صوت الأرض" من فراغ، بل لأنه كان يعبر عن تراب هذه الأرض وإنسانها. كان طلال بسيطاً في تعامله، قريباً من جمهوره، ورغم شهرته العالمية، ظل متمسكاً بتواضعه المعهود، وهو ما جعله محبوباً لدى مختلف الأجيال.
الوفاة على المسرح: رحيل تراجيدي
في مشهد سينمائي حزين، رحل طلال مداح في 11 أغسطس 2000 وهو واقف على مسرح "المفتاحة" في أبها، ممسكاً بعوده ومؤدياً لأغنية "الله يرد خطاك". كانت خاتمة تليق بفنان عاش حياته من أجل الفن، ليموت بين يدي جمهوره الذي عشقه.