الفنان الراحل عبد الكريم عبد القادر، الملقب بـ "الصوت الجريح"، أحد أهرامات الأغنية الخليجية والعربية، ومن القلائل الذين استطاعوا صياغة وجدان المستمع العربي على مدى أكثر من ستة عقود بصوته الشجي وأدائه الممتلئ بالصدق والإحساس.
البدايات: ولادة "الصوت الجريح"
بدأ عبد الكريم عبد القادر مسيرته في الستينيات، حيث كانت الكويت تعيش نهضة فنية كبرى. لم يكن وصوله سهلاً، بل جاء نتاج موهبة فذة وصبر طويل. كانت أغنية "تكون ظالم" هي حجر الزاوية الذي أعلن عن ميلاد نجم جديد، لكن الانطلاقة الكبرى التي هزت الأوساط الفنية كانت من خلال ألبوم "الصوت الجريح" في الثمانينيات، وهو اللقب الذي لازمه حتى وفاته.
الهوية الفنية: الأغنية "المكبلهة" والعمق الشعوري
تميز "أبو خالد" بلونه الغنائي الخاص الذي يمزج بين الكلاسيكية والتجديد. لم يكن يغني لمجرد الطرب، بل كان يروي قصصاً من الحزن، الحنين، والوفاء.
أبرز سمات مسيرته الفنية:
الثنائيات الذهبية: شكل مع الملحن عبد الرب إدريس والشاعر بدر بورسلي مثلثاً إبداعياً أنتج روائع لا تُنسى مثل "غريب"، "محال"، و"أعترف لك".
التنوع الموسيقي: تنقل بسلاسة بين الإيقاعات الخليجية التراثية والألحان الحديثة التي تعتمد على التوزيع الأوركسترالي.
الغياب المدروس: عُرف عنه قلة ظهوره الإعلامي، مفضلاً أن يتحدث فنه بالنيابة عنه، مما أضفى على شخصيته هالة من الوقار والغموض المحبب.
أهم الأعمال والروائع
تركت حنجرة عبد الكريم عبد القادر إرثاً غنياً يضم مئات الأغاني التي أصبحت جزءاً من الهوية الثقافية الخليجية، ومن أبرزها:
غريب: التي تعتبر نشيداً لكل مغترب ومنكسر.
وطن النهار: الأغنية الوطنية التي جسدت صمود الشعب الكويتي، وتعد من أهم الأغاني الوطنية في تاريخ الأغنية العربية.
وداعية: الأغنية التي لا تخلو منها مناسبة وداع، بكلماتها التي تلمس الروح.
ظماي إنت: التي أظهرت قدراته العالية في أداء الجمل اللحنية الصعبة.
المعنى الإنساني في فنه
لم يكن عبد الكريم عبد القادر مجرد مطرب، بل كان "مواطناً بالفن". عكس في أغانيه قيم المجتمع الكويتي والخليجي، وظل وفياً لنهجه الفني المتزن، مبتعداً عن الابتذال أو اللهاث خلف الموجات العابرة. كان صوته يمثل "الملاذ" لمن يبحث عن الكلمة الراقية واللحن الذي يسكن الذاكرة.
الرحيل والإرث
رحل عبد الكريم عبد القادر عن عالمنا في مايو 2023، تاركاً وراءه فراغاً كبيراً في الساحة الفنية، لكن صوته يظل حياً، يتردد في البيوت، السيارات، والإذاعات، كشاهد على عصر ذهبي لن يتكرر.