الفنان العميد طارق عبد الحكيم (1918 - 2012) ليس مجرد فنان عابر، بل هو "عميد الفن السعودي" ومهندس الأغنية الخليجية الحديثة. هو الرجل الذي نقل الموسيقى من العفوية والمجالس الضيقة إلى فضاء المؤسسات والتدوين الموسيقي العالمي.
طارق عبد الحكيم: الجنرال الذي روّض النغم
بدأت رحلة طارق عبد الحكيم من قلب الطائف، لكن نقطة التحول الكبرى كانت في أواخر الخمسينيات عندما أُرسل في بعثة إلى مصر لدراسة الموسيقى العسكرية. هناك، لم يتعلم فقط فنون القيادة الموسيقية، بل تعلم كيف يكتب "النوتة"، وهو ما مكنه لاحقاً من تدوين التراث الشعبي السعودي وحمايته من الضياع.
أبرز إنجازاته:
السلام الملكي السعودي: هو الذي وضع اللمسات الموسيقية على النشيد الوطني وتوزيعه العسكري.
تأسيس مدرسة موسيقى الجيش: التي كانت بمثابة أول أكاديمية موسيقية خرجت أجيالاً من العازفين والمبدعين.
تجسير الفجوة: كان أول من قدم الألحان الخليجية لأصوات عربية كبرى مثل نجاح سلام ووديع الصافي.
الفن الخليجي في زمن طارق: عصر التأسيس والنهضة
عاش طارق عبد الحكيم في فترة ذهبية اتسمت بالبساطة والعمق في آن واحد. كان الفن الخليجي حينها يمر بمرحلة "المخاض" للانتقال من الإيقاعات الصحراوية والساحلية الصرفة إلى الأغنية المكبلة (الطويلة) واللحن المدروس.
ملامح تلك الحقبة:
الارتباط بالتراث الشعبي: كان الفن في ذلك الزمن يعتمد على "الدانات" الحجازية، والفنون السامرية، وفنون العرضة. طارق عبد الحكيم أخذ هذه القوالب ووضعها في إطار "الأغنية الحديثة".
ظهور جيل الرواد: تزامنت فترة توهجه مع بزوغ أسماء وضعت حجر الأساس للفن الخليجي، مثل طلال مداح (الذي دعمه طارق في بداياته) وعبد الله محمد وفوزي محسون.
العلاقة مع الفن العربي: كان زمن طارق هو الزمن الذي بدأت فيه الأغنية السعودية والخليجية تُسمع في القاهرة وبيروت. أغنية "يا ريم وادي ثقيف" لم تكن مجرد لحن، بل كانت بطاقة عبور للهوية الموسيقية السعودية نحو الخارج.
أسلوبه الفني: السهل الممتنع
تميز فن طارق في ذلك الزمن بالقدرة على الجمع بين المقامات العربية الأصيلة وبين الإيقاعات الشعبية المحلية. كان يرى أن الموسيقى هي "لغة الشعوب"، لذلك حرص على أن تكون ألحانه رشيقة، قريبة من الوجدان، لكنها مبنية على أسس علمية رصينة.
مقولة شهيرة: "الموسيقى ليست لهواً، بل هي سجل لتاريخ الشعوب وعواطفها". - طارق عبد الحكيم.
الإرث والمستقبل
رحل طارق عبد الحكيم تاركاً خلفه أكثر من 500 أغنية ومئات البحوث والمؤلفات الموسيقية، بالإضافة إلى متحف يحمل اسمه في جدة التاريخية. إن الفن الخليجي اليوم، الذي نراه يتصدر المشهد العربي، مدين في جذوره لتلك الروح الانضباطية التي غرسها "العميد" في التربة الفنية.