ان الفنان الراحل أبو بكر سالم بلفقيه (1939 - 2017) ظاهرة فنية فريدة تجاوزت حدود الغناء لتصبح جسراً ثقافياً ربط بين الجزيرة العربية والوطن العربي بأكمله. لم يكن مجرد صوت شجي، بل كان مدرسة متكاملة في التلحين، والشعر، والأداء، وتطوير الموروث.
إليك مقال يتناول مسيرته ودوره المحوري في تشكيل وجدان الفن الخليجي:
إذا كان لكل فن أعمدة يرتكز عليها، فإن أبو بكر سالم هو "العمود الفقري" الذي استندت إليه الأغنية في الخليج والجزيرة العربية لتصل إلى آفاق الحداثة دون أن تفقد أصالتها. رحلة "أبو أصيل" من تريم في حضرموت إلى قمة الهرم الفني في الرياض وجدة، هي رحلة كفاح وإبداع غيرت وجه الموسيقى العربية.
1. تطويع الموروث: من "الحضرمي" إلى "الخليجي"
قبل أبو بكر سالم، كانت الألوان الغنائية مثل "الداني" و**"الحضرمي"** محصورة في أطر إقليمية ضيقة. بذكائه الفني، استطاع أبو بكر أن ينقل هذه الألحان المعقدة والإيقاعات الثقيلة إلى قوالب تناسب الذائقة الخليجية والعربية العامة. لقد جعل من "اللون الحضرمي" لغة عالمية يفهمها المستمع في الكويت، دبي، والرياض، تماماً كما يفهمها في القاهرة وبيروت.
2. مدرسة "السهل الممتنع" في الشعر واللحن
تميز أبو بكر سالم بأنه كان فنانًا شاملًا. كتب الكثير من أغانيه ولحنها بنفسه، مما خلق حالة من الوحدة العضوية بين الكلمة والنغم.
في الشعر: كان يمتلك لغة شعرية رصينة تجمع بين الفصحى والعامية الراقية.
في اللحن: ابتكر جملًا لحنية فريدة تعتمد على التعدد في المقامات، مما جعل أغانيه مثل "يا مسافر" و*"شلينا يابو جناحين"* و*"ما تليق"* قطعاً موسيقية تدرس.
3. الصوت "الأوبرالي" والقدرة التعبيرية
يمتلك أبو بكر خامة صوتية نادرة تُصنف ضمن طبقات "الباريتون" العميقة، مع قدرة مذهلة على الانتقال إلى طبقات حادة بمرونة فائقة. هذا الصوت لم يكن يغني الكلمات فحسب، بل كان "يمثلها" شعورياً، مما منحه لقب "أديب الطرب".
4. دوره في توطيد الهوية الفنية السعودية والخليجية
بانتقاله للعيش في المملكة العربية السعودية وحصوله على جنسيتها، أصبح أبو بكر جزءاً أصيلاً من نسيجها الثقافي. قدّم للأغنية الوطنية أعمالاً خالدة، أبرزها أغنية "يا بلادي واصلي"، التي أصبحت نشيداً وطنياً شعبياً يتردد في كل المحافل، مما يعكس ارتباطه العميق بتراب الأرض التي احتضنت فنه.
5. الأب الروحي للأجيال
لم ينكفئ أبو بكر على مجده الشخصي، بل كان داعماً ومعلماً. تأثر به كبار فناني الخليج، من عبد الله الرويشد الذي جمعه به تعاون تاريخي، إلى راشد الماجد وماجد المهندس. لقد رسم لهم الطريق في كيفية احترام الوقوف على المسرح، وكيفية انتقاء المفردة الجزلة.
رحل أبو بكر سالم بجسده، لكنه ترك خلفه "ديواناً" موسيقياً لا ينضب. إن دوره في الفن الخليجي يتجاوز الترفيه؛ إنه الرجل الذي ثبّت أركان الأغنية المكبلة في المنطقة، وهو الذي علّم العالم أن في قلب الجزيرة العربية فناً يضاهي في رصانته وعمقه أعرق المدارس الموسيقية العالمية.