تزخر الحركة الفنية في الكويت بأسماء لامعة وضعت بصمات مؤثرة على مستوى الوطن العربي والعالم، ولكن إذا أردنا الحديث عن "الأب الروحي" والفنان الذي أحدث ثورة في الفن التشكيلي الكويتي، فلا يمكننا تجاوز القامة الكبيرة خليفة القطان.
يعد الفنان الراحل خليفة القطان (1934 - 2003) أحد أبرز أعمدة الفن التشكيلي في الكويت والخليج. لم يكن مجرد رسام ينقل الواقع، بل كان مفكراً بصرياً استطاع أن يخلق لغة فنية خاصة به، تمزج بين التراث الكويتي وبين الفلسفة الوجودية العميقة.
البدايات والتحول الفني
بدأ القطان مسيرته في الخمسينيات، وهي الفترة التي شهدت نهضة تعليمية وثقافية في الكويت. سافر إلى إيطاليا لدراسة الفن، وهناك تأثر بالمدارس الأوروبية، لكنه رفض التقليد الأعمى. عاد إلى الكويت وهو يحمل رؤية مختلفة تماماً، حيث كان يرى أن الفن يجب أن يحمل رسالة إنسانية واجتماعية.
ابتكار "الدورانية" (Circulism)
في عام 1962، أعلن القطان عن ابتكار مذهب فني جديد سماه "الدورانية". تعتمد هذه الفلسفة على فكرة أن كل شيء في الكون يسير في دوائر:
الخطوط المنحنية: هي الأساس في لوحاته، تعبيراً عن حركة الحياة والزمن.
الرمزية العميقة: استخدم الدائرة لتمزج بين الماضي والحاضر والمستقبل.
القضايا الإنسانية: ركزت أعماله على الصراع بين الخير والشر، وقضايا الحرية، والعدالة الاجتماعية.
منزله: "بيت المرايا"
لا يمكن ذكر القطان دون الإشارة إلى "بيت المرايا" في منطقة القادسية، وهو العمل الفني الضخم الذي شاركته فيه زوجته الفنانة "ليديا القطان". تحول المنزل إلى تحفة فنية عالمية مغطاة بفسيفساء المرايا، ليصبح اليوم مزاراً سياحياً يقصده عشاق الفن من كل مكان، وشاهداً حياً على إبداعه الذي لم يتوقف حتى رحيله.
الإرث والتأثير
ساهم خليفة القطان في تأسيس الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية، وكان ملهماً للأجيال التي تلته. تميزت لوحاته بقدرتها على مخاطبة الضمير الإنساني، حيث جسد معاناة الشعوب وهموم الإنسان البسيط بأسلوب سريالي فريد يجمع بين الغموض والوضوح.
خلاصة القول: إن تجربة خليفة القطان ليست مجرد لوحات معلقة، بل هي رحلة فلسفية حاولت تفسير الكون من خلال الريشة واللون، مما جعل الفن الكويتي رقماً صعباً في المحافل الدولية.