الفنان الراحل غانم الصالح (1943 - 2010) أحد الأعمدة الشامخة التي قام عليها صرح الفن الخليجي والكويتي. لم يكن مجرد ممثل مر عبر الشاشات، بل كان مدرسة فنية متكاملة، جمعت بين الكوميديا الراقية والتراجيديا المؤثرة، تاركاً خلفه إرثاً غنياً يدرسه الأجيال.
النشأة والبدايات: بزوغ الفجر الفني
ولد غانم الصالح في منطقة "صيهد العوازم" بالكويت عام 1943. نشأ في بيئة كويتية أصيلة انعكست لاحقاً على صدق أدائه للشخصيات التراثية والمعاصرة.
البداية المهنية: عمل في بداياته بوزارة العدل بمحكمة الاستئناف، ثم انتقل لوزارة الإعلام، لكن شغفه بالفن كان أقوى من الوظيفة الحكومية.
التأسيس: ساهم بشكل فعال في تأسيس فرقة المسرح العربي عام 1961، وهي الخطوة التي شكلت نقطة التحول في مسيرة المسرح الكويتي الحديث.
المسيرة الفنية: تنوع وإبداع بلا حدود
تميز غانم الصالح بقدرة فائقة على التلون؛ فكان "الكوميديان" الذي يضحكك من القلب دون إسفاف، و"الشرير" الذي تقنعك قسوته، و"الأب الطيب" الذي يلامس مشاعرك.
1. المسرح: أبو الفنون
قدم غانم الصالح للمسرح أعمالاً خالدة لا تزال تعرض حتى اليوم، ومن أبرزها:
صقر قريش: أول مسرحية شارك بها.
باي باي لندن: في دور "شايع"، وهو أحد أكثر أدواره شهرة، حيث قدم ثنائية مذهلة مع الفنان عبد الحسين عبد الرضا.
فرسان المناخ: التي تناولت أزمة البورصة الشهيرة في الكويت بقالب كوميدي سياسي.
2. الدراما التلفزيونية
على الشاشة الصغيرة، كان غانم الصالح "جوكر" المسلسلات الخليجية، ومن أهم بصماته:
خرج ولم يعد: بدور "رزوقي"، المسلسل الذي يعتبر أيقونة الكوميديا الخليجية.
خالتي قماشة: بدور "سلطان"، حيث أبدع في تجسيد الشخصية الخاضعة لسيطرة الأم بأسلوب مضحك ومبتكر.
رقية وسبيكة: والغرباء (كامل الأوصاف)، وغيرها من الأعمال التي شكلت وجدان المشاهد العربي.
الثنائيات الفنية والروح الإنسانية
ارتبط اسم غانم الصالح برفقاء دربه، خاصة العملاقين عبد الحسين عبد الرضا وسعد الفرج. تميزت هذه الثنائيات بالكيمياء العالية والعفوية التي جعلت المشاهد يشعر وكأنه أمام مواقف حقيقية وليست تمثيلاً.
وعلى المستوى الإنساني، عُرف غانم الصالح (بو صلاح) بتواضعه الشديد، وحرصه على توجيه الفنانين الشباب، والتزامه الأخلاقي والمهني، مما جعله يحظى باحترام الصغير قبل الكبير في الوسط الفني.
رحيل "فارس الشاشة"
في عام 2010، غيّب الموت الفنان غانم الصالح في العاصمة البريطانية لندن بعد صراع مع مرض سرطان الرئة. رحل "بو صلاح" جسداً، لكنه بقي حياً من خلال مئات الساعات الدرامية والمسرحية التي وثقت تاريخاً من الإبداع.
جوائز وتكريمات
نال خلال مسيرته العديد من الجوائز، منها:
شهادة تقدير من مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون.
تكريمات عديدة في المهرجانات المسرحية الخليجية والعربية تقديراً لدوره الريادي.
إن الحديث عن غانم الصالح هو حديث عن زمن الفن الجميل، زمن الإتقان والقيمة والرسالة الهادفة. سيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الفن العربي كواحد من الرواد الذين لم يتنازلوا يوماً عن جودة ما يقدمونه للجمهور.
"الفن رسالة، والممثل مرآة لمجتمعه" - هكذا عاش غانم الصالح وهكذا رحل.
أولاً: المسلسلات الكوميدية (أيقونات الضحك)
1. مسلسل "خرج ولم يعد" (1984)
الشخصية: "رزوقي".
القصة: يعتبر من أشهر أعماله، حيث جسد شخصية الموظف البسيط الذي يعيش في صراع كوميدي مع عمه (سعد الفرج) وزوجته.
بصمته: شكل مع سعاد عبد الله وسعد الفرج ثلاثياً لا يُنسى، وتميز "لغز" الشخصية بعفويتها وتعبيراتها الكوميدية الهادئة.
2. مسلسل "خالتي قماشة" (1983)
الشخصية: "سلطان".
القصة: يدور المسلسل حول أم تسيطر على أبنائها وزوجاتهم عبر كاميرات مراقبة.
بصمته: أدى دور الابن الذي يحاول التوفيق بين طاعة أمه المتسلطة (حياة الفهد) وبين رغباته الشخصية، وهو الدور الذي أظهر قدرته العالية على "كوميديا الموقف".
3. مسلسل "رقية وسبيكة" (1986)
الشخصية: "ذياب".
القصة: يتناول قصة شقيقتين تنتقلان من الفقر إلى الغنى المفاجئ.
بصمته: جسد دور المحتال الذي يحاول التقرب من الشقيقتين طمعاً في مالهما، بأسلوب ساخر ومميز.
ثانياً: المسلسلات التراثية والخيالية
1. مسلسل "الغرباء" - كامل الأوصاف (1984)
الشخصية: "كامل الأوصاف".
القصة: مسلسل تراثي خيالي يجمع بين الفنتازيا والتشويق، يتحدث عن مدينة يحكمها حاكم ظالم (كامل الأوصاف).
بصمته: هنا برز غانم الصالح في دور "الشرير الكاريزمي"؛ حيث قدم الشخصية بملامح حادة وصوت جهوري، مما جعل المشاهدين يتعلقون بالشخصية رغم شرها.
2. مسلسل "مدينة الرياح" (1988)
الشخصية: "علقم".
القصة: عمل تراثي آخر موجه للعائلة، يطرح الصراع بين الخير والشر.
بصمته: اشتهر بعبارته الشهيرة في هذا المسلسل، وقدم دور الشرير بأسلوب مسرحي ممتع ناسب الأجواء الأسطورية للعمل.
ثالثاً: المسلسلات الاجتماعية والدرامية
1. مسلسل "يوم آخر" (2003)
الشخصية: "أبو خالد".
القصة: دراما اجتماعية قطرية تناقش قضايا الإدمان والتفكك الأسري.
بصمته: قدم دور الأب المستهتر الذي يضيع أموال أسرته، وكان هذا الدور بمثابة تأكيد على براعته في تقديم الأدوار التراجيدية المعقدة في مرحلة متأخرة من مسيرته.
2. مسلسل "أم البنات" (2009)
الشخصية: "عقاب".
القصة: يتناول قصة أب متزمت يفرض قيوداً صارمة على بناته وزوجته.
بصمته: كان هذا من أواخر أعماله الكبيرة، حيث جسد الشخصية القاسية ببراعة أثارت تعاطف وغضب الجمهور في آن واحد، مما أثبت أنه فنان متجدد دائماً.
جدول ملخص لأهم الثنائيات في أعماله:
الممثل الزميل أبرز الأعمال المشتركة نوع الكيمياء الفنية
عبد الحسين عبد الرضا زمان الإسكافي، قاصد خير، باي باي لندن تناغم كوميدي أسطوري
سعد الفرج خرج ولم يعد، بو سند صراع درامي وكوميدي متزن
حياة الفهد خالتي قماشة، ليلة عيد تنوع بين الكوميديا والتراجيديا
المسرح السياسي والاجتماعي (المسرح الهادف)
لم يكن غانم الصالح يهدف للإضحاك فقط، بل كان يؤمن بأن المسرح "منبر للإصلاح". إليك أهم محطاته التي ناقش فيها قضايا الشارع:
1. مسرحية "باي باي لندن" (1981)
القضية: ناقشت ضياع السائح العربي في الخارج، والانبهار الزائف بالحضارة الغربية، وضياع الأموال في ممارسات خاطئة.
دوره: شخصية "شايع"، الذي مثل دور الصديق "المطوع" أو الملتزم الذي يحاول النصح، لكنه يقع في مفارقات كوميدية سياسية واجتماعية تعكس التناقضات البشرية.
2. مسرحية "فرسان المناخ" (1983)
القضية: تعتبر من أهم المسرحيات "الوثائقية" الكوميدية، حيث أرخت لأزمة "سوق المناخ" (انهيار البورصة في الكويت).
دوره: جسد ببراعة شخصية المتداول الذي تضخمت ثروته فجأة ثم واجه الانهيار، مسلطاً الضوء على الجشع وغياب الرقابة المالية بأسلوب ساخر لاذع.
3. مسرحية "مضارب بني نفط" (1990)
القضية: تناولت الصراعات حول الثروة النفطية وتأثيرها على العلاقات الاجتماعية والسياسية في المنطقة.
الأهمية: كانت صرخة فنية تعكس واقع الصراعات في تلك الفترة قبل أحداث جسيمة مرت بها المنطقة.
4. مسرحية "حامي الديار" (1986)
القضية: من أجرأ المسرحيات السياسية التي تناولت موضوع "الوحدة الوطنية" والتحذير من الطائفية والفرقة.
الأهمية: قدمت استشرافاً للمستقبل وحذرت من مخاطر التمزق الاجتماعي، وكانت بمثابة درس وطني في قالب مسرحي.
ثانياً: التكريمات والجوائز (حصاد الإبداع)
تقديراً لمسيرته التي امتدت لنحو نصف قرن، نال الراحل غانم الصالح تكريمات محلية وعربية رفيعة:
درع من المسرح العربي (1980): تقديراً لدوره الريادي في تأسيس الحركة المسرحية.
جائزة الدولة التقديرية (الكويت): مُنحت له تقديراً لعطائه الفني الطويل وتأثيره في الثقافة الكويتية.
جائزة أفضل ممثل (مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون): نالها عن أدوار متميزة أثبتت أن موهبته تتجاوز الحدود المحلية إلى النطاق العربي.
تكريم مهرجان الخليج المسرحي: كُرم في أكثر من دورة كواحد من "رواد الفن الخليجي".
وسام من سلطنة عمان: تقديراً لجهوده في تطوير الدراما الخليجية المشتركة.
ثالثاً: ميزة غانم الصالح "المعلم"
ما ميز "بو صلاح" عن غيره هو الالتزام باللغة العربية الفصحى بقدر براعته في "اللهجة العامية". فقد كان من القلائل الذين أجادوا الأدوار التاريخية (مثل مسرحية صقر قريش) بنفس القوة التي أدى بها الأدوار الكوميدية الشعبية، مما جعله مرجعاً لغوياً وفنياً لزملائه.
خلاصة القول: كان غانم الصالح يمثل "ضمير المجتمع"؛ يضحكنا على عيوبنا لكي نصلحها، ويبكينا على واقعنا لكي نغيره.
بقدر ما كان غانم الصالح عملاقاً على الشاشة، كان إنساناً بسيطاً ومدرسة في الأخلاق خلف الكواليس. هذا الجانب الإنساني هو ما جعل رحيله يترك غصة في قلوب كل من عمل معه.
إليك لمحات من "وجه غانم الصالح" الذي لم تره الكاميرات:
1. "أبو صلاح" الأب الروحي للشباب
لم يكن غانم الصالح من الفنانين الذين يغارون من جيل الشباب؛ بل كان يرى فيهم استمراراً للرسالة الفنية.
الموجه الصبور: كان يجلس مع الممثلين الصاعدين، يراجع معهم النصوص، ويعطيهم من خبرته في كيفية نطق الكلمة أو ضبط الانفعال، دون أن يشعرهم بفارق النجومية.
دعم المواهب: العديد من نجوم الصف الأول الحاليين في الخليج يذكرون لغانم الصالح أنه كان أول من شجعهم وكسر حاجز الرهبة لديهم في بداياتهم.
2. الانضباط العسكري في الفن
كان يُضرب به المثل في الالتزام بالمواعيد.
كان يحضر إلى موقع التصوير (اللوكيشن) قبل الموعد المحدد، حافظاً لنصه بالكامل، ومستعداً لتقمص الشخصية.
كان يعتبر أن احترام الموعد هو احترام للمهنة وللزملاء، وهو ما جعله يحظى بهيبة ومحبة خاصة لدى المخرجين والمنتجين.
3. علاقته برفقاء الدرب (الوفاء النادر)
رغم المنافسة الفنية، كانت علاقته بالعمالقة (عبد الحسين عبد الرضا، وسعد الفرج، وحياة الفهد، وسعاد عبد الله) تتسم بالوفاء الشديد.
في كواليس مسرحية "باي باي لندن"، يُحكى أن الضحك لم يكن يتوقف بينه وبين عبد الحسين عبد الرضا، لكن بمجرد دخول الكاميرا أو فتح الستار، كان يتحول إلى قمة الجدية والاحتراف.
عند مرضه، لم ينقطع رفقاء دربه عن السؤال عنه، وكان رحيله صدمة هزت أركان الوسط الفني الكويتي، حيث رثاه الجميع بكلمات مؤثرة وصفته بـ "الركن الهادئ" و"النهر الذي لا ينضب".
4. اللحظات الأخيرة (رحيل بصمت وكبرياء)
حتى في معاناته مع المرض، كان غانم الصالح صابراً وكريماً. سافر للعلاج في لندن، وظل متواصلاً مع محبيه وزملائه بروح معنوية عالية، ولم يكن يحب أن يظهر بمظهر الضعف، بل ظل "الفارس" الذي يطمئن الجميع عليه حتى اللحظات الأخيرة من حياته في 28 أكتوبر 2010.
رحل غانم الصالح، لكنه ترك خلفه "سيرة عطرة" هي أغلى ما يملكه الفنان. لقد أثبت أن الفنان الحقيقي ليس من يملك الموهبة فقط، بل من يملك الأخلاق التي تجعل فنه يعيش للأبد.