عندما تلامس ريشته أوتار العود، يصمت العالم ليتحدث الشجن. عبادي الجوهر؛ ليس مجرد فنان مر في تاريخ الأغنية السعودية، بل هو مؤسسة موسيقية قائمة بذاتها، استطاع أن يمزج بين أصالة التراث وتجديد الحاضر، متمسكاً بآلة العود التي أصبحت جزءاً من كيانه، حتى لُقب بـ "أخطبوط العود".
أولاً: النشأة والبدايات.. رعاية العمالقة
ولد عبد الله محمد الجوهر في مدينة جدة عام 1953. بدأت موهبته تتبلور في سن مبكرة جداً، حيث كان يهوى العزف لساعات طويلة، مما لفت أنظار الكبار إليه.
اللقاء التاريخي: كانت نقطة التحول الكبرى في حياته حين التقى بالفنان الراحل طلال مداح، الذي آمن بموهبته فور سماعه، وقدمه للجمهور وهو لا يزال شاباً يافعاً.
أول عمل: سجل أول أغنية له بعنوان "يا غزال" عام 1968، ليبدأ بعدها رحلة الألف ميل في عالم النجومية.
ثانياً: عبادي والموسيقى.. لماذا لُقب بـ "الأخطبوط"؟
لم يكن لقب "أخطبوط العود" الذي أطلقه عليه الفنان الراحل طلال مداح من فراغ، بل كان تقديراً لسرعته الفائقة وتقنياته المعقدة في العزف.
الابتكار الموسيقي: عبادي لا يعزف العود فحسب، بل "يستنطقه". ابتكر جملة لحنية خاصة به، وأدخل تكنيكات عالمية (مثل العزف بالإبهام والسرعات العالية) لم تكن مألوفة في العزف الشرقي التقليدي.
العود الصديق: يمتلك عبادي مجموعة من الأعواد النادرة، ويعتبر العود رفيقه الدائم في حله وترحاله، حتى ارتبطت صورته الذهنية بهذه الآلة بشكل لا ينفصم.
ثالثاً: مدرسة الحزن النبيل واللحن المتفرد
يُعرف عبادي الجوهر بأنه ملك "الأغنية المكبلة بالحب والشجن"، حيث تميز صوته برنة حزينة تلامس الوجدان مباشرة.
أبرز المحطات الغنائية:
خلاص ارجع: الأيقونة التي لا تزال تُطلب في كل حفلاته.
المزهرية: تعاون فيها مع الأمير الشاعر بدر بن عبد المحسن، وشكلت نقلة في الأغنية المكبلة.
قالوا ترى: التي تعتبر دستوراً للعشاق في الجزيرة العربية.
تدرين وأدري: العمل الذي يبرز فيه التوزيع الموسيقي المعتمد على قوة اللحن.
رابعاً: عبادي الملحن.. بصمة خلف الستار
لم تقتصر موهبته على الغناء، بل هو ملحن من الطراز الرفيع، صاغ ألحاناً خالدة لنفسه ولغيره من كبار النجوم:
تعاونات كبرى: لحن لطلال مداح، وردة الجزائرية، سميرة سعيد، وآمال ماهر.
الأسلوب اللحني: يتميز لحن عبادي بالتعقيد الجميل، حيث يبتعد عن الألحان "المعلبة" والبسيطة، مفضلاً المسارات المقامية الأصيلة التي تبرز قدرات الصوت.
خامساً: التكريمات والإرث الثقافي
حصد عبادي الجوهر خلال مسيرته التي تجاوزت الـ 50 عاماً عشرات الجوائز والتكريمات، منها:
الدكتوراة الفخرية من أكاديمية الفنون بمصر.
جائزة أفضل مطرب خليجي في عدة مهرجانات.
تكريم "صناعة الترفيه" (Joy Awards): تقديراً لمسيرته الفنية الطويلة وتأثيره في الموسيقى العربية.
يبقى عبادي الجوهر حالة فنية خاصة، فنان يحترم جمهوره ويقدس فنه. لم ينجرف يوماً خلف الموجات التجارية العابرة، بل ظل صامداً كالطود العظيم، يغزل من أوتار عوده قصائد حب لا تموت. هو بحق، الأستاذ الذي علمنا كيف يكون الحزن راقياً، وكيف يكون العزف لغة عالمية.