بقلم: احمديوسف
لطالما ساد لغط كبير حول مصطلح "الفن الهادف". فالبعض يتوجس منه خيفة، ظناً منهم أنه نوع من "المناهج الدراسية" الجافة التي تحاول تلقيننا الدروس الأخلاقية، بينما يراه آخرون ضرورة لتقويم اعوجاج المجتمع. لكن الحقيقة، كما أراها من نافذة الأدب والحوار، أن الفن لا يكون "هدفاً" لمجرد أنه يلقي علينا الخطب، بل حين يلمس فينا تلك المنطقة المنسية بين القلب والعقل.
الهدف في الجمال
الفن الهادف ليس بالضرورة هو ذلك الذي يقدم حلولاً للمشكلات الاجتماعية، بل هو الفن الذي "يطرح الأسئلة". حين تشاهد لوحة، أو تقرأ رواية، أو تتابع حواراً عميقاً، اوتسمع اغنية، اومسيقى جميلة، وتخرج منه وأنت تشعر بأن شيئاً ما في داخلك قد تغير، أو أن زاوية رؤيتك للعالم قد اتسعت؛ فهذا هو الفن الهادف في أسمى تجلياته. الجمال في حد ذاته هدف، والارتقاء بالذائقة العامة هو رسالة وطنية وإنسانية لا تقل أهمية عن أي بناء مادي.
فخ المباشرة
أكبر عدو للفن الهادف هو "المباشرة". الفن الذي يتعمد الوعظ المباشر يتحول إلى دعاية (Propaganda)، ويفقد سحره وقدرته على التأثير. الفنان الحقيقي هو من يمرر رسالته عبر "شيفرات" الجمال، يترك للمشاهد أو القارئ اولمستمع حرية الاكتشاف. تماماً كما في الحوارات الأدبية الراقية التي كنت أتسمر أمامها طفلا؛ لم يكن الهدف منها إعطائي نصائح، بل كانت تبني وجداني وتفتح مداركي على عوالم من الرقي الفكري.
مسؤولية الفنان في زمن "التريند"
في زمن تكتسح فيه "الموجات الاستهلاكية" والضحك السطحي منصاتنا والفن المستهلك، تصبح العودة للفن الهادف ضرورة لا ترفاً. نحن بحاجة إلى فن يعيد الاعتبار للإنسان، ويحتفي بالقيم التي لا تشيخ. ليس دور الفن أن يعكس الواقع بقبحه فحسب، بل دوره أن يرينا كيف يمكن أن يكون هذا الواقع أجمل وجوانب الجمال في الحياة، أو على الأقل، كيف يمكننا الصمود فيه.
كلمة أخيرة
الفن الهادف هو ذلك الذي يبقى بعد أن تنطفئ الشاشات وتغلق الكتب وينتهي الاستماع . هو "الأثر" الذي يتركه المبدع في ذاكرة الناس، ولأنني أؤمن أن هذا النوع من الفن والحوار هو الذي يشكل الهوية الحقيقية لأي مجتمع، وهو الذي سيظل مرجعاً للأجيال القادمة حين يتساءلون: كيف كان يفكر أسلافنا؟ وكيف كانت أرواحهم؟ كيف كانو مبدعين؟ الفن الهادف في كل المجالات والغناء والموسيقى هو الذي يبقى كشهادة حية على أننا أمة تعشق الحياة والجمال والرقي