عندما بدأت في تتبع مسيرة الشعر الأموي، استوقفتني كثيرا تلك العبقرية الفذة التي تميز بها الشاعر جرير بن عطية. ولأن الإحاطة بشاعريته تتطلب غوصا في بطون الكتب، فقد قرأت في كتاب "الأغاني" للأصفهاني عن تفاصيل حياته ونشأته في نجد، وكيف صقلت البيئة البدوية لغته وجعلت منها سلاحا حادا في مواجهات الساحة الشعرية الشرسة في ذلك العصر.
كلما تعمقت في دراسة هذا الشاعر، تجد نفسك أمام مزيج فريد بين حدة الهجاء وعذوبة الغزل، وهو ما يفسر بقاء شعره حيا في الوجدان العربي.
في ميدان النقائض والمواجهات الكبرى
لا يمكن ذكر جرير دون استحضار حرب النقائض الشهيرة التي دارت رحاها لعقود. وقد اطلعت على "نقائض جرير والفرزدق" بتمعن، فوجدت كيف تحول الشعر على يديهما من مجرد فن أدبي إلى ساحة حرب سياسية واجتماعية كبرى هزت المجتمع الأموي بالكامل.
سلاح العاطفة والقبول الاجتماعي: تميز جرير بقدرته العجيبة على استمالة الجماهير، فبينما كان الفرزدق يعتمد على إرث أجداده وفخر قبيلته، كان جرير يراهن على سلاسته اللغوية وقرب نصوصه من وجدان الناس.
الإيجاز والضربات القاضية: كان يمتلك مهارة صياغة البيت الواحد الذي يسير به الركبان ويهدم به مجد خصومه في لحظة، مثل بيته الشهير الذي غض به من قدر بني نمير.
الجانب الآخر: رقة الغزل وعاطفة الرثاء
رغم شراسته في الهجاء، إلا أن هناك جانبا إنسانيا وجماليا رائعا في شعره. لقد قرأت في ديوانه وتأملت قصائده الغزلية، فدهشت من هذه الرقة التي تخرج من نفس خاضت كل تلك المعارك اللفظية. هو القائل بيته المتفرد: "إن العيون التي في طرفها حور... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا".
لوعة الفقد ورثاء الزوجة: ومن أكثر النصوص التي هزتني عندما اطلعت على المراثي التي كتبها، رثاؤه الصادق لزوجته "خالدة"، حيث تجرد فيه من قناع الشاعر المفاخر، وظهر الإنسان المكسور أمام الموت، متجاوزا جفاء البيئة البدوية ليعبر عن وفائه العميق.
إن جرير لم يكن مجرد شاعر يمدح ويهجو، بل كان ظاهرة ثقافية واجتماعية شكلت وعي مرحلة كاملة من تاريخنا الأدبي. والاطلاع على نتاجه يثبت أن الكلمة الصادقة واللغة السلسة القريبة من الناس هي التي تملك تذكرة البقاء وتخلد صاحبها عبر العصور.
بقلم - احمد يوسف